الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية بين «الروندة الثالثة لمانيش مسامح» وحملة «بالديمقراطية سيمر»: أيّ مصير لقانــون الـمصـالحـة؟

نشر في  03 ماي 2017  (12:55)

عاد الجدل مؤخرا حول مشروع قانون المصالحة، هذه المبادرة التشريعية التي تقدمت بها رئاسة الجمهورية منذ جويلية 2015، لكنها لم تفلح انذاك في تحويلها الى نص قانوني حيث تمت مجابهة مشروع القانون من قبل معارضة شبابية قوية متمثلة في حملة «مانيش مسامح»، اضافة الى معارضة حقوقية وسياسية كبيرة، وهو ما عطّل هذه المبادرة، ودفع برئاسة الجمهورية الى اقتراح تعديله، وفي اكتوبر 2016، أعلنت لجنة التشريع العام تأجيلها لمسألة النظر في هذا المشروع مبررة ذلك بعدم أوليته مقارنة ببقية القوانين:

مشروع القانون طفا مؤخرا على السطح، حيث اعلنت رئاسة الجمهورية عن تقديمه في نسخة معدلة مقارنة بالسابقة، ويذكر أن رئيس الجمهورية قال عن المصالحة الوطنية في المسائل الاقتصادية والمالية  انه يهدف بالاساس الى طي صفحة الماضي وتحسين مناخ الاعمال وتشجيع الاستثمار وقد ورد في مشروع القانون الاساسي أنه يرمي الى اتخاذ تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي.
ومن جديد تصاعدت وتيرة الاحتجاجات والتحركات الرافضة لمشروع قانون المصالحة في نسخته الجديدة، حيث عبرت عديد الاحزاب عن رفضها له اضافة الى رفع حملة «مانيش مسامح» لشعار «الروندة 3 .. مايتعداش» ونظمت صحبة احزاب وشخصيات مستقلة وحقوقية مسيرة وسط العاصمة للمطالبة بعدم تمرير مشروع القانون والتصدي لكل المحاولات التي تدفع الى تمريره.
 ويشمل مشروع قانون المصالحة، كما قدّمته رئاسة الجمهورية على عفو يخص الموظفين الذين لم يرتكبوا جرائم ولم يعتدوا على المال العام، إضافة إلى مصالحة تخص كل مواطن تونسي انتفع بصفة مباشرة أو غير مباشرة بصفة غير قانونية من النظام السابق، كما تم تحديد عفو يخص جرائم الصرف..
ويعفو مشروع القانون، حال إقراره، عن قرابة 400 رجل أعمال محسوبين على نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تورطوا في قضايا  فساد، كما ينص على العفو عن الموظفين العموميين، وأشباههم بخصوص الأفعال المتعلقة بالفساد المالي، والاعتداء على المال العام، ما لم تكن تهدف إلى تحقيق منفعة شخصية.
ويتيح مشروع القانون لرجال الاعمال امكانية تعويض الاموال المنهوبة بنسبة فائدة لا تتجاوز 5 بالمائة مع التمتع بالعفو الجبائي بنسبة 30 بالمائة.
ورأى الرافضون لهذا المشروع انه يتناقض مع مسار العدالة الانتقالية التي سبق وأسندها قانون العدالة الانتقالية للجنة التحكيم والمصالحة صلب هيئة الحقيقة والكرامة باعتبارها  المخولة للتحكيم والمصالحة في الجرائم الاقتصادية.

دفاع مستميت عن قانون المصالحة

في الوقت الذي ارتفعت فيه بعض الاصوات الشبابية المناهضة لهذا القانون، اضافة الى تشكيل خمسة أطراف سياسية هي «الجبهة الشعبية» و«حركة الشعب» وأحزاب «الجمهوري» و«التيار الديمقراطي» و«التكتل»، جبهة حزبية للتصدي لقانون المصالحة، تهدف لوضع برامج تتعلق بتنسيق الجهود حول كيفية التصدي للقانون بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، ارتفعت اصوات اخرى مدافعة عن هذا القانون، حيث أطلق نور الدين بن تيشة المستشار الأول لرئيس الجمهورية حملة على صفحته الرسمية الفايسبوك تحت عنوان «بالديمقراطية سيمر …تونس تتصالح»
 في حين يرى مدير الديوان الرئاسي سليم العزابي أن  قانون المصالحة الاقتصادية والمالية من شأنه أن يحرر الإدارة التونسية من الخوف الذي تعيشه بسبب خشية المسؤولين من التوقيع على الوثائق خوفا من المحاسبة، مبرزا أن مردودية الإدارة التونسية تراجعت بحوالي 50 بالمائة منذ سنة 2010 حسب مجمع الوظيفة العمومية بالإضافة إلى تراجع نشاط الشباك الموحد للباعثين الشبان حيث ارتفعت فترة معالجة الملفات من 48 ساعة إلى اكثر من أسبوع خوفا من التتبعات.
وفي تصريح لأخبار الجمهورية أكد المحامي والقيادي في حركة نداء تونس وسام السعيدي، ان مشروع قانون المصالحة هو مشروع رئاسة الجمهورية التي قدمته سنة 2015، والذي واجه آنذاك عديد التفاعلات، مضيفا ان رئاسة الجمهورية تمكنت خلال هذه المدة من اخذ جميع الملاحظات والتفاعلات بعين الاعتبار، وهو ما دفع حسب السعيدي لجنة التشريع العام الى اعادة النقاش حوله بناء على ما صرح به مدير الديوان الرئاسي سليم العزابي، والذي اكد ان رئاسة الجمهورية ستأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات والمؤاخذات والاحترازات وستتفاعل معها حتى يكون هذا القانون منسجما مع الدستور ومع مسار العدالة الانتقالية، مضيفا ان رئاسة الجمهورية عبرت عن استعدادها للتفاعل مع كل المناهضين لمشروع القانون بما في ذلك حملة «مانيش مسامح» .
وذكر السعيدي ان الصراع حول مشروع القانون تحول الى صراع سياسي، والحال أن مشروع القانون لم يخضع بعد الى التنقيحات المزمع اجراؤها لان رئاسة الجمهورية ستسعى على حد تعبير محدثنا الى أن تجعله يستجيب للمعايير الدولية وتوصيات لجنة البندقية ومعايير لجنة الامم المتحدة والعدالة الانتقالية في العالم، وذكر ان حزب نداء تونس سيتفاعل هو الآخر مع مبادرة رئيس الجمهورية، مشيرا الى أن مسار العدالة الانتقالية سيتواصل لكن بوجود هيئتين الاولى تعنى بحقوق الانسان والثانية بالملف المالي والاقتصادي، مؤكدا أن التنقيحات التي ستدخل على مشروع القانون ستكون جوهرية وكبرى وستغير ملامحه، مشيرا الى أنه لا يمكن الحديث عن مشروع جديد او نسخة جديدة  بل عن مقترحات لاحداث تغييرات كبرى على النسخة الاولى من المشروع، وافادنا أن بعض الجهات تحارب هذه المبادرة لا لشيء سوى لان وراءها رئيس الجمهورية وحزب نداء تونس، مؤكدا انه لا توجد نسخة جديدة وان مسألة التنقيحات الكبرى مازلت لم تطرح بعد، وان طرحها سيكون امام لجنة التشريع العام بحضور ممثلين عن المجتمع المدني وفي بث مباشر.    
 وكتب القيادي في حزب نداء تونس برهان بسيّس « للذين يتساءلون عن أي ديمقراطية سيمر بها قانون المصالحة، أجيبهم: «ديمقراطية الربيع العربي.. أفلا تفقهون».

قالوا لا لقانون المصالحة..

أعلنت عديد الأطراف السياسية عن تشكيل جبهة حزبية للتصدي لقانون المصالحة، واعلنت حملة مانيش مسامح عن حالة «الطوارئ الشعبية» ضد مشروع القانون، داعية جميع التونسيين إلى النزول للشوارع لإسقاط هذا القانون اضافة الى حملات فايسبوكية  رافعت شعار  «الشعب يريد إسقاط الفساد».
واعتبرت 20 منظمة حقوقية واجتماعية أنّ رئاسة الجمهورية تعيد بالإعتماد على الأغلبية الحاكمة للمرة الثالثة على التوالي محاولة تمرير مشروع  القانون مؤكدة  أنّه رغم التعديلات حافظت النسخة الجديدة من المشروع على نفس الإخلالات على مستوى المضمون، داعية إلى السحب الفوري والنهائي لهذا المشروع الذي يهدد مسار الإنتقال الديمقراطي.
وفي تصريح لأخبار الجمهورية اكد الامين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي ان مشروع قانون المصالحة الاقتصادية المقترح من قبل رئاسة الجمهورية يعد محاولة لتبييض الفساد والفاسدين، مشيرا الى أن تونس انتهجت مسار العدالة الانتقالية ولا يوجد اليوم مبرر لاقتراح مسار مواز للمسار الاول مضيفا ان المبرر لطرح هذه المبادرة كان في البداية التسريع في مسار العدالة الانتقالية مؤكدا ان هذا المبرر لم يعد ناجعا لأنه مر اليوم عامان منذ اقتراح المبادرة.
اما من ناحية المضمون فاكد المغزاوي ان كل الاطياف السياسية ليست ضد مبدأ المصالحة، لكن يجب ان تكون مسبوقة بكشف الحقيقة والمحاسبة حتى لا تتكرر الانتهاكات مستقبلا، مبينا ان مشروع القانون الذي اقترحته رئاسة الجمهورية لا يتضمن هذا التمشي بل يقوم على التستر على من نهبوا المال العام، مؤكدا ان هذه المبادرة تقوم على اعادة المال المنهوب مع فائض يقدر بـ5 بالمائة مقابل اعفاء الشخص من الجباية والحال ان رجال الاعمال الذين يشتغلون في كنف القانون تطالبهم الدولة بدفع 25 بالمائة كجباية.
واضاف محدثنا أن رئاسة الجمهورية تغالط الرأي العام بحديثها عن تحسن المردود الاقتصادي عند تمرير مشروع القانون مؤكدا ان الاقتصاد التونسي ليس مرهونا بهذه المصالحة، بل سببه الاختيارات الفاشلة للحكومات المتعاقبة التي تمسكت بمنوال تنموي كرس التفاوت الطبقي والجهوي.
وختم محدثنا كلامه بالقول ان الثورة التونسية لم تقم بهدف المصالحة مع السراق ومن نهبوا اموال الشعب، مؤكدا ان البلاد ستشهد سلسلة من التحركات اولها انطلقت يوم السبت 29 افريل والثانية ستكون بمسيرة وطنية يوم  6 ماي.  
وفي هذا الصدد كتب  القيادي في حزب «التيار الديمقراطي» هشام العجبوني: « أوّل طريق الإصلاح هو إسقاط قانون المصالح (المصالحة)»، مضيفا: «لن نسامح من نهب المال العام ودمّر اقتصاد البلاد».».
من جانبه ، دعا الحزب الجمهوري رئيس الجمهورية إلى سحب مشروع قانون المصالحة خاصة في هذا الظرف، معتبرا أن المشروع يكرس سياسة الافلات من المساءلة عبر عفو عام.
اما  رئيس حزب حراك تونس الإرادة محمد المنصف المرزوقي فذكر خلال اجتماع حزبي «انه في حال إصرار منظومة الحكم الحالية على تمرير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية فانه سيدعو الشعب التونسي للتظاهر السلمي والنزول إلى الشوارع في يوم غضب وطني»، مؤكدا أن الثورة قامت من اجل محاربة الفساد والمفسدين وانه لا يقبل بعودته قائلا: «انه من المأساة الوطنية أن تقوم الثورة لمحاربة الفساد والمنظومة الحالية ترغب باسم الديمقراطية في تبنى الفساد»،  وعلق على مشروع قانون المصالحة قائلا : «يسامحمون من سرق 1000 دجاجة ويحاكمون من سرقة بيضة»:
في المقابل اعتبر المحامي والعضو في حملة 'مانيش مسامح' شرف الدين القليل أن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية مناقض للمعايير الدولية والاتفاقيات في مجال مكافحة الفساد، قائلا إن هذا المشروع يعد تبييضا للجرائم المالية وفق قوله.
وعبرت النائب عن التيار الديمقارطي سامية عبو عن رفضها لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية في نسخته الحالية.
واتّهمت رئاسة الجمهورية بمحاولة تبييض الفساد، معتبرة بأنّ تذرّعها بضرورة تمرير مشروع القانون بسب ضيق الوقت ولكونه سيمكن من تخفيف الضغط على الموظفين يهدف أساسا إلى تقنين منظومة الفساد والاستبداد وفق تعبيرها.
 كما اكد استاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك ان تبني هذا القانون يسقط كافة قضايا وملفات الفساد ويوقف كل الاحكام القضائية المصرح بها في هذا الشأن.

الاتحاد العام التونسي للشغل وحركة النهضة: موافقة بشروط

اما  الاتحاد العام التونسي للشغل فأكد أنه سيدعم المشروع إذا كان يستجيب للقانون والدستور وله مردودية اقتصادية فعلية بالأرقام، أما إذا كان عكس هذا فإنه سيكون في مقدمة القوى الديمقراطية للتصدي له.
من جانبه قرر مجلس شورى حركة النهضة عدم قبول مشروع قانون المصالحة المالية والاقتصادية في نسخته المعدلة المعروضة حاليا على لجنة التشريع العام في البرلمان، داعيا الى ضرورة إدخال تعديلات إضافية عليه بما يتلاءم مع الدستور وبما يضمن عدم المساس بمسار العدالة الانتقالية.

سناء الماجري